
في صباح يوم غائم في شهر أغسطس لفت انتباهي -وأنا جالسة أمام الكمبيوتر أحتسي قهوتي= عنوان مقالة على مدونة ترانزيت تقول : "أنا مصري، وأحب مبارك وأنا لست مرتشية". وقد اندهشت للغاية من كلمة "أحب"، في هذه العبارة وسألت نفسي فورا : كيف يمكن أن نحب شخصا لم نعرفه قط؟ ألا يعتبر ذلك خطيرا؟ ربما نتوهم أننا نعرفه فنحبه في خيالنا.
واصلت القراءة.
روت الكاتبة أنها ترعرعت على حب مبارك، حيث ذكرت انجازاته كسياسي ومساهماته في تنمية البلاد، كما عبرت عن صدمتها من الثورة والإتهامات الموجهة ضد مبارك وتساءلت كيف يمكن أن يكون شخص واحد سياسيا كبيرا وفي نفس الوقت لصا وقاتلا.
وقد أشعلتني عواطف الكاتبة وشعرت ببطء بالإستفزاز وتولدت عندي الرغبة في إظهار خطئها. وقد أجبرني المفهوم الديمقراطي المستحدث الساذج إلى أن أعلق تعليقا انفعاليا، ولكنني أدركت بعد فترة أنني كنت مخطأة تماما كما فعلت الكاتبة.
أعتبر نفسي من أطفال الثورة المخملية، حيث ولدت في أوروبا الشرقية خلال وقت سقوط جدار برلين. ولم يعرف جيل والداي آنذاك إلى أين ستتجه بهم الثورة، حيث صدم الجميع وارتبكوا وشعروا بالحيرة. ولكن الآن، وبعد مرور20 عاما، أصبح بالنسبة لي الدرب الذي يسير عليه وطني واضحا للتاريخ. إن ما نسمعه ونقرأه اليوم عن الثورات العربية يذكرني بذلك.
إن العبارات التي قرأتها في مقالة مبارك ما زلت أسمعها حتى الآن من كبار السن في وطني، حيث يسمون تلك المشاعر حبا، ويصفون الديكتاتور "بالاب"، ومثل هذه العلاقة تجاه أي شخص في الحياة العامة تعتبر بالنسبة لي غير مفهومة، حيث تربيت على أن حب الوطن يمثل شيئا آخر، ولكن بالرغم من ذلك أحاول أن أفهم وجهة النظر الأخرى.
الدكتاتور هو الشخص الذي يسود البلاد على مدى سنوات عديدة دون أحد سواه في السلطة. وهذا لا يعني أنه شخص سيئ، ولكن بالرغم من ذلك هو أولا إنسان ثم بعد ذلك مؤسسة لكل شيء. وقد ذكرت الكاتبة أن مبارك يرمز لمصر تماما مثل النيل والأهرامات. في البداية كنت أعتبر ذلك التشبيه سخيفا، ولكن عندما فكرت في تلك المقولة أستطعت أن أفهم جيدا لماذا تعتقد الكاتبة ذلك. ربما لأن مبارك قد حكم البلاد طوال حياتها، حيث أصبح جزء لا غنى عنه كمؤسسة واحدة فقط في الواقع المصري، تماما مثل شخصية الأب التي ترمز للأمان.
والآن وبعد أن ذهب مبارك، اهتز هذا الأمان. ولكن في آخر الأمر فإن مبارك إنسان والإنسان يخطئ إما أخطاء صغيرة أو كبيرة، وبالتالي تتم معاقبته. يوجد لدى بعض الناس سلطة ونفوذ أكثر من الآخرين، ولذلك يجب علينا تحمل المزيد من المسؤولية تجاه ذلك، وهذا ما نراه يحدث هنا اليوم، إلى جانب استمرار وجود نهر النيل والأهرامات التي كانت بالأمس وقبل الأمس وقبل قبل الأمس، وغدا وبعد غد وبعد بعد غد، وإلى جانب مؤسسة مبارك التي سوف تعتبر دائما جزء من الماضي.
ولكن الرجل الديكتاتور السابق الذي يقف بفضائله وذنوبه وأخطائه وتبريراته أمام المحكمة، نراه الآن شخصا آخر غير المؤسسة الوحيدة التي خدمت وأعطت الأمان لسنوات عديدة باعتبارها شخصية الأب. لذا فإن الحب لمبارك يعتبر حبا لمؤسسة قائمة منذ فترة طويلة، وإن الصدمة من الثورة هي في الواقع خوف من سقوط نظام معروف في العالم كله. وإني آمل في أن تجد هذه المؤسسة مكانها الصحيح في التاريخ، وأن يستعيد النظام الجديد الأمان المفقود.
ترجمة: ديليس قسيس
تسورنيتسا تودوروفا، ولدت في بلغاريا، تعيش في برلين حيث تدرس علم الأجناس الثقافي والاجتماعي والنشر في جامعة برلين الحرة. تكتب في مدونتها:
www.userblogs.fu-berlin.de/drachenluferin/